ابن ميثم البحراني

144

شرح نهج البلاغة

بِهِ مُحَمَّدٌ صلّى الله عليه وآله ، فَكَانَتْ مُعَالَجَةُ الْقِتَالِ أَهْوَنَ عَلَيَّ مِنْ مُعَالَجَةِ الْعِقَابِ - ومَوْتَاتُ الدُّنْيَا أَهْوَنَ عَلَيَّ مِنْ مَوْتَاتِ الآخِرَةِ أقول : تداكَّوا : دكّ بعضهم بعضا : أي دقّه بالضرب والدفع . والهيم : الإبل العطاش . والمثاني : جمع مثناة وهى الحبل يثنّى ويعقل به البعير . واعلم أنّ قوله : فتداكَّوا . إلى قوله : لدىّ . إشارة إلى صفة أصحابه بصفّين لمّا طال منعه لهم من قتال أهل الشام ، وكان عليه السّلام يمنعهم من قتالهم لأمرين : أحدهما أنّه كانت عادته في الحرب ذلك ليكون خصمه البادي فتركبه الحجّة ، والثاني أنّه كان يستخلص وجه المصلحة في كيفيّة قتالهم لا على سبيل شكَّه في وجوب قتال من خالفه فإنّه عليه السّلام كان مأمورا بذلك بل على وجه استخلاص الرأي الأصلح أو انتظارا لا نجذا بهم إلى الحقّ ورجوعهم إلى طاعته لحقن دماء المسلمين كما سيصرّح به في الفصل الَّذي يأتي ، ثمّ أكدّ وصفهم بالزحام عليه بأمرين : أحدهما تشبيهه بزحام الإبل العطاش حين يطلقها رعاتها من مثانيها يوم توردها الماء . ووجه الشبه مالهما من شدّة الزحام ، الثاني غاية ذلك الزحام وهو ظنّه عليه السّلام أن يقتلوه أو يقتل بعضهم بعضا . وقوله : وقد قلَّبت هذا الأمر . إلى آخره . إشارة إلى بعض علل منعه لهم من القتال ، وهو تقليبه لوجوه الآراء في قتالهم حتّى تبيّن له ما يلزم في ترك القتال من الخطر وهو الكفر . على أنّ في الأمرين خطرا أمّا القتال ففيه بذل نفسه للقتل وهلاك جملة من المسلمين ، وأمّا تركه ففيه مخالفة أمر اللَّه ورسوله المستلزمة للعقاب الأليم ، لكن قد علمت أنّ الدنيا لا قيمة لسعادتها ولا نسبة لشقاوتها إلى سعادة الآخرة وشقاوتها عند ذوى البصاير خصوصا مثله عليه السّلام فلذلك قال : فكانت معالجة القتال أهون علىّ من معالجة العقاب ، وموتات الدنيا أهون علىّ من موتات الآخرة . واستعار لفظ الموتات للأهوال والشدائد في الدنيا والآخرة لما بين الموت وبينها من المناسبة في الشدّة .